الراغب الأصفهاني
34
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
( 2 ) ما جاء في الحزم والعزم وما يضادّهما ، والظنّ والشكّ والتثبت والعجلة ماهية الحزم والعزم قال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز : ما العزيمة في الأمر ؟ قال : إصداره إذا ورد بالحزم . فقال : وهل بينهما فرق ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر : ليست تكون عزيمة ما لم يكن * معها من الرأي المشيد رافع « 1 » فقال : للّه درّك عشت دهرا وما أرى بينهما فرقا . وقيل لبعضهم : ما الحزم ؟ قال : التفكر في العواقب . النهي عن الدخول فيما يصعب الخروج منه قال : معاوية لعمرو بن العاص ( رضي اللّه عنهما ) : ما بلغ من دهائك ؟ قال : ما دخلت في أمر إلا عرفت كيف الخروج منه . فقال : لكنّي ما دخلت في أمر قطّ وأردت الخروج منه . وقيل في الحكمة : إن اتسع لك المنهج ، فاحذر أن يضيق بك الخروج . قال الشاعر : وإذا هممت بورد أمر فالتمس * من قبل مورده طريق المصدر « 2 » حمد تلقّي الأمر بالجزم قيل : من لم يقدّمه حزمه أخّره عجزه . من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ . خذ الأمر بقوابله ، إن رمت المحاجزة فقبل المناجزة . قبل الرمي تملأ الكنائن « 3 » . قبل
--> ( 1 ) هذا القول شبيه بقول القائل : إذا كنت ذا رأي فكن فيه مقدما * فإنّ فساد الرأي أن تتردّدا ( 2 ) يدعو الشاعر إلى تلمّس طريق الخلاص قبل الإقدام على أمر أو سلوك درب وهذا شبيه بقول ابن المقفع : . . . ولكنّ العاقل يحتال للأمر حتى لا يقع فيه ، ومثله قول المهلهل في قصيدته « الدّاهية » : من شاء ولّى النفس في مهمه * ضنك ، ولكن من له بالمضيق والبيت من إحدى القصائد السبع المعروفة ب « المنتقيات » . ( 3 ) الكنائن : جمع كنانة وهي جعبة السهام .